وهبة الزحيلي
239
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بحال من عداهم ، كأنه قيل : وليخالف حالهم حال المرتابين من أهل الزيغ والكفران . 5 - قوله تعالى : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ لا يراد به خلافا لظاهره أن الإضلال والهداية أمران مبتدآن من اللّه عز وجل ، ولا أنه تعالى يجبر فريقا على الضلالة ، وفريقا على الهدى ، وإنما المراد به تقرير سنة من سنن اللّه سبحانه في عباده وهي ربط الأسباب التي خلقها بالمسببات ، فمن ضل فإنما يضل بنفسه واختياره ، ومن اهتدى فإنما يهتدي بنفسه وإرادته واختياره ، ثم يزيد اللّه الضالين ضلالا ، فيبعدهم عن معالم الهداية ، لسوء اختيارهم واستعدادهم وعنادهم ، ويزيد المؤمنين إيمانا بتوفيقهم إلى سبل الهداية والرشاد ، لحسن اختيارهم . ولا يقع شيء في الكون قهرا عن اللّه تعالى ، وإنما بإرادته ومشيئته ، وإن كان مخالفا لمأموره ومحبوبه . 6 - قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ إشارة إلى أن ما عليه عدد الخزنة لا يعلم حكمته ولا حكمة ما عليه كل جند من العدد إلى الأبد إلا اللّه سبحانه . وهو جواب لأبي جهل حين قال : أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر ! أخرج الترمذي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « أطّت « 1 » السماء ، وحقّ لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته للّه ساجدا » . 7 - ردع اللّه تعالى بقوله : كَلَّا كل من ينكر وجود جهنم وصفتها ، وأنها إحدى البلايا العظام والدواهي الكبار ، وأنها إنذار دائم للبشر . 8 - أقسم اللّه تعالى بالقمر والليل والصبح تشريفا لها ، وتنبيها على ما يظهر بها وفيها من عجائب اللّه وقدرته وقوام الوجود بإيجادها ، والمقسم عليه : أن
--> ( 1 ) أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد ثقلها ، حتى أطت ؛ ظهر لها صوت وحنين ، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة ، وإن لم يكن ثمّ أطيط ، وأطيط الإبل : أصواتها وحنينها .